الخطيب الشربيني

126

مغني المحتاج

بالتزوج الذي هو القبول لأن التفاصيل المذكورة من كراهة وغيرها إنما هي فيه لا في العقد المركب الذي هو النكاح . ( فإن فقدها ) بفتح القاف : أي عدم الأهبة ، ( استحب ) له ( تركه ) لقوله تعالى : * ( وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ) * ، ولمفهوم قوله ( ص ) : من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، والذي في الروضة وأصلها ، الأولى أن لا ينكح وهي دون عبارة الكتاب في الطلب كما قال ابن النقيب ونظر فيه ، وأشد منها في الطلب قوله في شرح مسلم بكراهة النكاح . ولو قال المصنف : لم يستحب كان أخصر وأظهر في المراد ، ( ويكسر ) إرشادا ( شهوته بالصوم ) للخبر السابق . قالوا : والصوم يثير الحركة أولا ، فإذا دام سكنت ، وإن لم تنكسر شهوته تزوج ، قال عمر رضي الله عنه : ما رأيت مثل من ترك النكاح بعد قوله تعالى : * ( إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) * . وروى الترمذي : ثلاث حق على الله أن يعينهم منهم الناكح يريد أن يستعفف . وفي مراسيل أبي داود أنه ( ص ) قال : من ترك التزوج مخافة العيلة فليس منا . وأجيب عن قوله تعالى : * ( وليستعفف ) * بحملها على من لم يجد من يتزوجه ولا يكسرها بكافور ونحوه ، لأنه نوع من الخصاء وقال البغوي : يكره أن يحتال لقطع شهوته ، ونقله في المطلب عن الأصحاب وقيل : يحرم ، وجزم به في الأنوار . والأولى حمل الأول على ما إذا لم يغلب على ظنه قطع الشهوة بالكلية بل تغيرها في الحال ، ولو أراد إعادتها باستعمال ضد تلك الأدوية لامكنه ذلك . والثاني : على القطع لها مطلقا . ( فإن لم يحتج ) للنكاح بأن لم تتق نفسه له من أصل الخلقة أو لعارض كمرض أو عجز ، ( كره ) له ( إن فقد الأهبة ) لما فيه من التزام ما لا يقدر على القيام به من غير حاجة . وحكم الاحتياج للتزويج لغرض صحيح غير النكاح كخدمة وتأنس كالاحتياج للنكاح كما بحثه الأذرعي ، وفي الاحياء ما يدل عليه . تنبيه : محل الكراهة فيمن يصح نكاحه مع عدم الحاجة ، أما من لا يصح مع عدم الحاجة كالسفيه فإنه يحرم عليه النكاح حينئذ ، قاله البلقيني . ( وإلا ) بأن وجد الأهبة مع عدم حاجته للنكاح ولا علة به ، ( فلا ) يكره له لقدرته عليه ، ومقاصد النكاح لا تنحصر في الجماع ، ( لكن العبادة ) أي التخلي لها في هذه الحالة ( أفضل ) له من النكاح إذا كان يقطعه عنها اهتماما بها . وفي معنى التخلي للعبادة التخلي للاشتغال بالعلم كما قاله الماوردي ، بل هو داخل فيها . تنبيه : قضية كلامه أن النكاح ليس بعبادة بل هو مباح بدليل صحته من الكافر ، ولو كان عبادة لما صح منه . ورد بأنه إنما صح من الكافر وإن كان عبادة لما فيه من عمارة الدنيا كعمارة المساجد والجوامع والعتق ، فإن هذه تصح من المسلم وهي منه عبادة ، ومن الكافر وليست منه عبادة ، ويدل لكونه عبادة أمر النبي صلى الله عليه وسلم . والعبادة تتلقى من الشرع ، وفي فتاوى المصنف : إن قصد به طاعة من ولد صالح أو إعفاف فهو من عمل الآخرة ويثاب عليه ، وإلا فهو مباح اه‍ . وينزل الكلامان على هذا . واستثني من ذلك نكاح النبي ( ص ) فإنه عبادة مطلقا ، وفائدته نقل الشريعة التي لا يطلع عليها إلا النساء . ( قلت ) كما قاله الرافعي في الشرح : ( فإن لم يتعبد ) فاقد الحاجة للنكاح واجد الأهبة الذي لا علة به ، ( فالنكاح ) له ( أفضل ) من تركه ( في الأصح ) كيلا تفضي به البطالة والفراغ إلى الفواحش . والثاني : تركه أفضل منه للخطر في القيام بواجبه . وفي الصحيح : اتقوا الله واتقوا النساء ، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت من النساء . ( فإن وجد الأهبة و ) لكن ( به علة كهرم ) وهو كبر السن ، ( أو مرض دائم أو تعنين ) دائم أو كان ممسوحا ، ( كره ) له ( والله أعلم ) لعدم الحاجة إليه مع منع المرأة من التحصين ، أما من يعن في وقت دون وقت فلا يكره له وإن أفهم عدم تقييد المصنف له خلافة : والتعنين مصدر عن : أي تعرض ، فكأنه يتعرض للنكاح ولا يقدر عليه . ثم شرع في الصفات المطلوبة في المنكوحة ، فقال : ( ويستحب دينة ) لخبر الصحيحين : تنكح المرأة لأربع : لمالها ، ولجمالها ، ولحسبها . أي وهو زيادة النسب ، ولدينها ، فاظفر بذات الدين تربت يداك